محمد رضا الناصري القوچاني

14

جواهر العقول في شرح فرائد الأصول ( مبحث التعادل وتراجيح )

مثل أن يقال : توضأ الا في صورة الحرج ، واغتسل ألّا في صورة الحرج ، وهكذا بحيث ان يكون دليل الحاكم على وجه لو فرض عدم ورود المحكوم عليه ، لكان لغوا ، وعاريا عن الفائدة ، مثلا لو لم يجب الوضوء والغسل ونحوهما لكان : ما جعل عليكم في الدّين من حرج « 1 » لغوا . وهذا بخلاف المتعارضين ، بحيث لو لم يكن التنافي ابدا لم يصر الأوّل لغوا ، مثلا لو لم يكن دليل : أكرم العلماء لكان لا تكرم النحاة دليلا مستقلا ولم يصر لغوا ، وأما الورود ، فهو : عبارة عن رفع أحد الدليلين موضوع الآخر كأدلة الاجتهادية بالنسبة إلى الأصول العقلية ، فأنّ موضوع البراءة وقبح العقاب هو : عدم البيان ، فمع وجود الحجّة المعتبرة ، ينتفي الموضوع والتخصّص أيضا كذلك لكن بلا عناية من الشرع ، ومن دون حاجة إلى التعبد ، كما إذا قام الدليل على وجوب إكرام العالم ، وعلمنا بأنّ زيدا ليس من العلماء ، فهناك خروج زيد عن دائرة الحكم معلوم وجدانا ، من دون تعبد وهذا يسمّى بالتخصّص . فانقدح الفرق بين الورود والتخصّص ، وأنّ أحدهما وهو الورود خروج موضوعي ببركة التعبد ، والثاني : وهو التخصّص أيضا كذلك أي خروج موضوعي بلا حاجة إلى التعبد ، بل وجدانا ، وظهر الفرق بين الحكومة والتخصيص كما شرحناه ، فظهر أنّ التعارض أنّما يكون إذا كان موضوع المتعارضين موجودا كما في أكرم العلماء ، ولا تكرم النحاة ، لأنّ النحوي أيضا عالم ، فأكرم يثبت الوجوب له ، ولا تكرم النّحاة يحرّم الاكرام ، فهنا يكون مورد التعارض ، ألّا أنّ العرف يرجّح التخصيص ، وأمّا الورود فليس كذلك ، لأنّ أحد الدليلين يثبت الحكم على صورة الشك ، مثلا إذا شككت بين الأقل والأكثر فأبن على الأكثر « 2 » فإذا علم عدد الركعات يبني على علمه ، لأنّ موضوع الشك مرتفع

--> ( 1 ) الحج : 78 . ( 2 ) الوسائل : الجزء 5 ص - 318 . ( الرواية : 3 ) .